`·.¸¸.·¯`··._.· (خلى لحياتك معنى) ·._.··`¯·.¸¸.·`
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 ""تمرُد على أرض الشقاء ""

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
The manager
المدير العام
المدير العام


عدد الرسائل : 343
تاريخ التسجيل : 24/12/2008

مُساهمةموضوع: ""تمرُد على أرض الشقاء ""   الجمعة ديسمبر 26, 2008 2:50 pm


"تمرُد على أرض الشقاء"



وقف ( سعيد ) يحرك قطع الأخشاب في مهارة ، ويلقمها لأسنان المنشار الذي أخذ يلتهم أطرافها في سرعة ، لتتناثر القطع الهشة مختلطة برائحة الخشب الساخن من أثر الأحتكاك .
تعالت دقات الساعة لتعلن وقت الأنصراف ؛ لتتلاشى أصوات الماكينات وتتوقف أيدي العاملين والعاملات.. بينما أخذ ( سعيد ) ينظف زيه الأزرق من الشوائب العالقة به ؛ لكي يلحق بالجمع المنصرف كأسراب النمل المنظم .

-لا تتسرع وتهدم حياتك .
نطقها الأسطى ( زكريا ) رئيس العمال بصوته الحاد الرفيع ، والذي لا يتناسب مع حجمه الضخم ، ووجهه المكتنز .
نطقها وهو يصوبها تجاه ( سعيد ) .. ألتفت (سعيد ) إليه بلبٌ شارد وبلا إكتراث .

و(سعيد ) في هذه اللحظة لم يكن أبداً سعيداً بأي حال من الأحوال .. حتى منذ مولده لم يعرف لأسمه طعماً.. كان يبدو وكأنه يعاني التعاسة منذ الأزل ، فنشأته الأولى كانت داخل ملجأ للأيتام .. كان يفتقد الدفء والآمان والطمأنينة .. يفتقد أي شيء يربطه بعالم البشر ، وعندما غادر إلى الحياة العامة وجدها أقسى عليه وأمر ..لا شيء لا معنى لا طعم ..إلا إحساس متغلغل داخل أعماقه .. إحساس بالظلم والقهروالفشل ، وأن لابد من خطأ ما في الكون جعله بمثل هذه التعاسة .. عانى فراغ الجوف ولسع الأسفلت ، وذاق البرودة القاسية المتوغلة داخل العظام .. عندما جائته فرصة العمل داخل مصنع الأخشاب هذا .. ظن أنه يهذي .. لكنها كانت حقيقة ، وعندما تسلم أول راتب أدرك أنها الحقيقة .. هذا لأن الراتب ضئيل كما يجب أن يكون ، ولو كان العائد كبير لأدرك أن هناك خدعة كونية ما ! حتى هيئته لم تضف لإسمه أي رابط ، فهو نحيف كما يجب ان تكون النحافة .. خمري البشرة وشعيرات ذقنه تتناثر عليها في عشوائية .. عيناه غائرتان من كثرة السهاد ، والسهاد من كثرة التفكير في مستقبله الداكن ، ومستقبله غامض ، وإن كانت البداية تبشر بما ستأتي به النهاية .. حتى جحره الذي يأويه كل ليلة يبشر بذلك ، فهو عبارة عن حجرة ملقاه فوق سطح عمارة متهالكة ومهددة بالسقوط في أية لحظة .

و( زكريا ) كان يعلم كل هذا بحكم الصداقة الأبوية التي نشأت بينهما .. كان يتخذ ( سعيد ) كولده الذي لم ينجبه ، وسعيد كان يجد فيه الأبوة والمتنفث لمكنون قلبه وعقله .. وها هو( زكريا ) الآن يحاول منعه حباً وإشفاقاً ، ويأمل أن يعيده إلى صوابه .. لكن نظرات ( سعيد ) كانت مصوبة هناك ، نحو ركن قصي مخصص للفتيات .. وأدرك ( زكريا) أن سبب نظرات ( سعيد ) هي ( زينب ) .

تلك الفتاة البسيطة ،الرقيقة ، الحنونة ، الشهمة ، الخجولة ، ذات الملامح السمراء الدقيقة ، والجسد الرقيق ، والنظرة الملائكية .. لم تكن جميلة لكن جمالها الداخلي منح مظهرها رونقاً وبهاءً .. منذ اليوم الأول لها في العمل خلبت لٌبه .. كل حركة من أصابعها وهي تشذب قطع الأقمشة تفتنه ، كل إبتسامة خجلة تٌسكره .. شعر بمذاق إسمه أخيراً وهو ساهر ليلاً يتأمل وجهها بين النجوم .. كانت كوكبه الدري السرمدي الذي يضيء لياليه .. كل ما بها كان يفتنه .. بسمتها ونسمتها وهمستها وأريجها وحسها الندى.. حبها منح لحياته حياة وأفقده ذكريات الشقاء .. أحست هي بمكنون قلبه من نظراته الولهه التي تترقبها في كل حركاتها وسكناتها ، وإبتسامة البهجة التي ترتسم على شفتيه كلما رآها ، وبدأ التجاذب بين قلبيهما وثمرة الحب تنمو وتتسع ؛ لتملأ كيانهما بالنشوة والسعادة ، وتتبدل النظرات والإبتسامات إلى همسات ، والهمسات إلى جلسات .

لكن مع الحب آتى العذاب ، وعذابه في فقره .. لكن رابط الحب أقوى .. يكفيه أنه جعله ينسى كل آلامه وعذابه ويتذوق للمرة الأولى طعم البهجة والسرور ..
بدأ يبذل جهداً مضاعفاً كي يحقق الحلم .. ولذلك بدأ فعلياً في توفير كل قرش.. كان يذهب إلى عمله مترجلاً يمتطي صهوة حذائه .. وعلى الرغم من طول المسافة إلا أنه تحمل كما يجب أن يتحمل الرجال ..
حتى طعامه أقتصر على شطيرتين ..واحدة وقت الراحة والثانية في المساء .. لكن للأسف لم يكف هذا إلا لتوفير أقل القليل ، فكل شيء في إرتفاع مُطرد .. لذلك عمل على مزيد من الخطوات المسددة ، وبدأ في عمل إضافي حر .. كان يقف أمام أحد المقاهي ليبيع تركيبات العطور ، ويتحمل الكثير مما يلاقيه من أحقاد ومطاردات ومهانة .. لكن مجهوده للأسف لم يؤتي ثماره .
شيئاً فشيئاً بدأ يفقد نضارته وحيويته .. خبى بريق عينيه وتلاشت إبتسامته وشحب وجهه حتى كاد يحاكى المومياوات .. لقد أثر عليه الجهد المضاعف المبذول وقلة الغذاء .. شعرت ( زينب ) بما يعتريه وبكت كثيراً.. بكت وهي تراه كالزهرة التي فقدت مصدرها المائي .. سهدت كثيراً وأحترق عقلها ؛ ليخرج قرارها بالأنفصال .
يومها أصابه الذهول العارم و كاد أن يجن ، وسألها : لماذا ؟
أجابته وهي تنتحب : لأنني أحبكِ ..
شعر بالحيرة وهو يقول : وهل من يحب أحد يتركه ؟
قالت له في ألم : ألا ترى ما أصبحت عليه .. إنكِ تفقد حياتك تدريجياً .
زاغت نظراته وهو يقول : سأفقدها أكثر لو تركتيني .
غشت الدموع بصرها وهي تتمتم : كٌنت تحيا من قبلي .. وستحيا أكثر من بعدي .. يجب أن يزول السبب والمتسبب .
وذهبت .. ذهبت لتترك داخل كيانه فراغ ينهشه وألم يدمي فؤاده ؛ كوحش طاغي يلتهم فريسته ، يطمس عقله وإدراكه ، ويصب حمم ملتهبة في جوفه حتى يطفح بها .. شعر وقتها أن لاشيء يستحق .. لذلك جاء قراره بالتمرد .. لن يقتصد بعد الآن .. سيلتهم كل ما يشتهيه جوفه مهما كان باهظاً .. سيدخن أفخر أنواع السجائر .. سيقضي لياليه داخل الملاهي الليلة ، وبين أحضان الساقطات .
لذلك نبهه ( زكريا ) لمغبة ما سيفعله ، وأنه سيعاني أكثر مما فات .. فهو إن كان يقتصد بإرادته ، لكنه مع ذلك كان يجد ما يسد به رمقه ، أما بتهوره هذا سيعاني أكثر بكثير مما عاناه ، وسيفقد كينونته وذاته .. سيفقد نقاء روحه وطهارته .
وها هو الآن جاء محاولاً منعه من السقوط في لجٌة التمرد الآسن .
كرر ( زكريا ) جملته ، قائلاً :
-لا تتسرع يا ولدي وتهدم حياتك .
أرتسمت ملامح الأسى على وجهه ، وهو يقول :
-حياتي محطمة منذ الأزل ،ودائماً أعاني الحرمان .. لن أحرم نفسي من شيء مرة آخرى أبداً .
هتف ( زكريا ) في ضراعة : يا ولدي .. ما هي إلا تجربة خاسرة ولكنها ليست كل شيء .. الطريق طويل والزمن أمامك .
سالت دمعة ساخنة على وجنة ( سعيد ) وهو يقول بصوت مختنق :
-لماذا ؟ ولمن ؟
-لنفسك أولاً .
-نفسي تعاني الحرمان .
-ستعاني أكثر لو فعلت .
تأمله ( سعيد ) بوجه عابس ، وعينان تقطران العبرات .. ثم أطرق رأسه وأنصرف .. حاول ( زكريا ) منعه لكنه لم يكن يستمع لصوت العقل والمنطق، وأنصرف معلناً أن وقت التمرد قد حان .
كفاه ما ناله من حرمان بدني وعاطفي .. حرمان من كل شيء وأي شيء في الحياة .. الحياة التي لم يستشعر منها إلا مرها ، ومرارتها في حلقه تخنقه .
سيعيش اللحظة مهما كان ومهما سيكون الثمن فيما بعد قاسياً .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://elhayah.forum777.com
 
""تمرُد على أرض الشقاء ""
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1
 مواضيع مماثلة
-
» معنى حديث "فاظفر بذات الدين تربت يداك"
» "كلمنـــــي شكــــراً " في استـــــــديو مصر مساء الثلاثــاء
» حقيقة اطلانطس " افلاطون و نوستراداموس " و علاقتها بافريقيا و الكهوف في الجزائر
» " بسكويت مغربي لذيذ وبالصور "
» ملاحظات حول اخطاء الصلاة بالصور "هااااااااااام جداااا"

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: منتدى القصص والروايات-
انتقل الى: